اقتراح لإلغاء التسجيل المسبق للمغتربين: إصلاح منقوص لا يفي بالمطلوب
13/01/2026
تقدم النائب إيهاب مطر بتاريخ 7 كانون الثاني 2026 باقتراح قانون من أجل تعديل قانون الانتخابات الصادر سنة 2017 بخصوص المغتربين بحيث يحقّ لهؤلاء "الاقتراع في أيّ مركز اقتراع مُعتمد في الخارج، من دون التقيّد بموطن إقامته الفعلي أو بنطاق السفارة أو القنصلية التي يتبع لها عنوانه". ويمنح الاقتراح المديرية العامة للأحوال الشخصية صلاحية "إعداد لائحة شطب موحّدة وشاملة تضمّ جميع أسماء غير المقيمين المستخلصة مباشرة من سجلات الأحوال الشخصية، من دون إجراء أيّ تسجيل مسبق من قبل الناخب". ويشدّد الاقتراح على ضرورة اعتبار هذه اللائحة المرجع الحصري والوحيد على أن يتم وضع إشارة على قيد كل ناخب غير مقيم تحول دون اقتراعه داخل لبنان من أجل منع الازدواج في الاقتراع وضمان "وحدة التصويت".
وقد نصت الأسباب الموجبة أن "تسهيل اقتراع المغتربين والمقيمين خارج لبنان هو عمل ضروري وذلك من أجل إتاحة المجال لهذه الفئة من اللبنانيين واللبنانيات الذين فرضت عليهم الظروف الابتعاد عن أوطانهم دون أن يتخلّوا عنها" ما يتيح لهم "المساهمة في اختيار ممثّليهم في مجلس النواب من دون أن يعتري هذه العملية تعقيدات في الإجراءات". وتضيف الأسباب الموجبة أن "اضطرار اللبنانيين واللبنانيات المقيمين في الخارج للتنقّل بين عدّة بلاد بسبب ظروف عملهم"، يحتّم جعل عملية الاقتراع في الخارج "أمرًا سلسًا لهم ويتناسب مع طبيعة حياتهم وتنقلهم وعدم إلزامهم بمراكز معينة قد تضطرهم أحيانًا الظروف المعيشية والاجتماعية وحتى السياسية لتغييرها". لذلك كان لا بدّ "من إعطاء المغتربين حرية الانتخاب في أيّ مركز يجدونه أسهل وأقرب إليهم بغض النظر عن مكان قيدهم الأساسي والمؤقت".
جرّاء ما تقدم، يمكن إبداء الملاحظات التالية على هذا الاقتراح:
اقتراحٌ يُلغي التسجيل المسبق في مراكز اقتراع خاصة
يأتي هذا الاقتراح بعد سلسلة طويلة من الاقتراحات التي هدفت إلى منح المغتربين بشكل دائم حق الاقتراع لمرشحين من ضمن الدوائر الانتخابية داخل لبنان وإلغاء المقاعد المخصصة للمغتربين، هذا علاوة على المشروع الذي تقدمت به الحكومة والذي يهدف أيضا إلى تحقيق الغاية نفسها لكن بصورة استثنائية ولمرة واحدة. ومن الملاحظ أن الاقتراح الحاليّ لا يهدف إلى تعديل قانون الانتخابات لجهة الدائرة المخصّصة للاغتراب إذ يُبقي على المقاعد الستّة الموزّعة على القارّات أي أنه يحصر اقتراع غير المقيمين بنواب خارج لبنان.
ولا شكّ أنّ إلغاء التسجيل المسبق يجعل من الاقتراع عملية أكثر سهولة بالنسبة للمغتربين كون المادة 113 من القانون النافذ حاليّا ترغم هؤلاء على التسجيل في السفارات والقنصليات قبل 20 تشرين الثاني من السنة التي تسبق الانتخابات النيابية. لا بل أن هذا التسجيل ليس كافيا لأن المادة 114 تفرض أن لا يقل عدد المسجلين في المركز الانتخابي الواحد عن 200 ناخبا كي يتمكن المغترب من الاقتراع فيه وإلا يسقط حقه هذا ويتوجب عليه العودة إلى لبنان من أجل المشاركة في الانتخابات مثل اللبنانيين المقيمين.
وهكذا يتبيّن أن الاقتراح يبسط الإجراءات المطلوبة لاقتراع المغتربين كونه لا يلغي فقط التسجيل المسبق وكل المهل المرتبطة به لكن أيضا وجود حدّ أدنى من الناخبين لكل مركز اقتراع.
الغموض في تحديد مراكز الاقتراع ولائحة الشطب
يكتفي الاقتراح بالنصّ على حقّ المغترب بالاقتراع في أيّ مركز معتمد في الخارج من دون تحديد الآلية القانونية لاعتماد تلك المراكز بشكل واضح. إذ يفهم منه ليس فقط بأن جميع السفارات والقنصليات هي مراكز اقتراع لكن أيضا بأن المغترب يحقّ له اختيار أيّ مركز لممارسة حقه بالانتخاب حتى لو كان خارج نطاق السفارة أو القنصلية التي يتبع لها.
ولا شكّ أن حريّة الاختيار المطلقة هذه تطرح تساؤلات حول كيفية منع اقتراع المغترب الواحد أكثر من مرة في مراكز مختلفة ما يوجب إنشاء نظام معلوماتية متطور يربط بين جميع تلك المراكز في العالم. فالاقتراح لا يشرح مدى إمكانيّة هذا الأمر لا سيما في ظل الإمكانيات المحدودة للدولة اللبنانية بل يكتفي بإبداء رغبةٍ عامّة ومبهمة تقول بضرورة قيام وزارة الداخلية بالتّنسيق مع وزارة الخارجية "باعتماد الوسائل التنظيمية والإجرائية اللازمة لتسهيل ممارسة هذا الحقّ" للتحقق من الهوية ومنع الاقتراع المزدوج.
من جهة ثانية، يعلن الاقتراح أن المديريّة العامّة للأحوال الشخصيّة ستتولّى وضع لائحة شطب موحّدة وشاملة تضمّ جميع أسماء اللبنانيّين غير المقيمين من أجل اعتمادها في جميع مراكز الاقتراع على أن تكون مستخلصة من سجلات الأحوال الشخصية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه كيف لمديريّة الأحوال الشخصيّة أن تحدّد من هو اللبناني الذي يدخل ضمن فئة المغتربين وهل من حدّ زمنيّ أدنى للإقامة في الخارج كي يعتبر المواطن داخلا في هذه الفئة. صحيح أن الإحصاء العام للسكان الذي جرى سنة 1932 يميّز بين المقيمين والمهاجرين، لكن هل للمديرية العامة للأحوال الشخصية قادرة اليوم على تحديد جميع اللبنانيين المغتربين سواء الذين هاجروا منذ سنوات طويلة أو الذين غادروا مؤخرا عقب الانهيار المالي؟ وما هو المعيار المعتمد لتعريف المغترب إذ قد يكون المواطن في الخارج لفترة زمنية بسيطة. فهل سيتم إلزامه بمجرد وجوده خارج لبنان للاقتراع من ضمن دائرة نواب الاغتراب؟
والأغرب من ذلك أن الاقتراح لا يقوم بتعديل المادة 116 من قانون الانتخابات التي تنصّ على أنّ وزارة الداخليّة ترسل بواسطة وزارة الخارجيّة عدد الناخبين الذين يحقّ لهم الاقتراع في كلّ سفارة أو قنصليّة مع ضرورة إنشاء أكثر من قلم اقتراع واحد في حال كان عدد المسجّلين في المركز يتجاوز الأربعمائة ناخب. فالاقتراح يقول بإمكانية اقتراع الناخب في أي مركز معتمد في الخارج بينما يفهم من المادة 116 أن أسماء الناخبين يجب أن تكون مسجلة في مراكز محددة ولا يمكن لهم الاقتراع خارجها، وهذا تناقض كان على الاقتراح تداركه.
من جهة أخرى، ينص الاقتراح على أن هذه اللائحة الشاملة يجب إرسالها من وزارة الداخلية إلى وزارة الخارجية كي يتم توزيعها على كافة مراكز الاقتراع قبل 20 كانون الأول من السنة التي تسبق الانتخابات. ففي حال تبنّي الاقتراح، تكون هذه المهلة قد انقضت كون الانتخابات من المزمع حصولها في أيار 2026 أي أن الاقتراح يؤدّي إلى خلق إشكاليّة قانونيّة مما يعرقل العملية الانتخابية في الخارج كون مراكز الاقتراع لا تملك لائحة الشطب الشاملة هذه.
في الخلاصة، يتبيّن أن هذا الاقتراح لا يعالج أساس المشكلة المتمثلة بحصر اقتراع المغتربين بستة نواب بل يكتفي بالقول أن الانتخاب يتم وفقا للنظام النسبي "وفي دائرة واحدة تشمل جميع اللبنانيين غير المقيمين" من دون حتى معالجة مسألة كيفية توزيع المقاعد طائفيا على القارات. وإذا كانت إيجابيات الاقتراح تتمثل في تبسيطه للعملية الانتخابية في الخارج عبر إلغاء التسجيل المسبق، لكن الغموض الذي يعتري أحكامه لجهة تحديد مراكز الاقتراع وإعداد لائحة الشطب الشاملة تجعل من تبنّيه بصيغته الحاليّة أمرًا لا يمكن الدفاع عنه.