اقتراحات إجازة الأبوة والأمومة: هل بالإجازة وحدها نحمي حقوق العمال؟

حلا نجّار

19/02/2026

انشر المقال

شهدنا مؤخّرا تقديم اقتراحيْ قانون لمنح إجازة أبوة. فبعدما تقدم النائب ميشال الدويهي بتاريخ 16/12/2025 باقتراح قانون بمنح إجازة أبوة مدتها خمسة أيام متتالية براتب كامل لكل الأشخاص المشمولين بحماية قانون العمل، عاد النائب نعمة أفرام ليقدّم بتاريخ 19/1/2026 اقتراح قانون يهدف إلى تعديل كلّ من نظام الموظفين (المادة 38) وقانون العمل (المادة 29) لمنح إجازة أبوة لمدّة "ثمانية أيام متواصلة وبأجر كامل، تُعطى بناءً لطلبه عندما تكون الزوجة على وشك الوضع، أو ضمن فترة شهر على الأكثر من تاريخ الولادة". كما قدّم النائب نعمة أفرام بتاريخ 19/1/2026 في موازاة ذلك اقتراح قانون يرمي إلى تعديل المادة 28 من قانون العمل، بحيث تُمدَّد إجازة الأمومة من عشرة أسابيع إلى أربعة عشر أسبوعًا. تستند الأسباب الموجبة للاقتراحين بمنح إجازة أبوة إلى تحقيق مبدأ المساواة عبر تكريس حقّ الأب العامل في إجازة أبوّة مدفوعة الأجر عند ولادة طفله، كما ودعم التماسك الأسري وتعزيز قيم المشاركة بين الزوجين في تحمّل مسؤوليات الأسرة، وتعزيز تقاسم المسؤوليات العائلية. فضلًا عن انسجام الاقتراح مع التزامات لبنان الدولية، ولا سيما اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW).

إن هذه الاقتراحات تستوجب الملاحظات التالي:

في التوقيت والسياق السياسي

في ظل اقتراب الاستحقاق النيابي، يصعب فصل هذه المبادرات التشريعية عن السياق السياسي العام الذي يطغى عليه الطابع الانتخابي والشعبوي. حيث تُطرح عناوين اجتماعية جذّابة، تحظى بقبول واسع لدى الرأي العام، ولا سيما تلك المتصلة بدعم الأسرة ودورها. ورغم إيجابية ومشروعية هذه المبادرات يخشى من أن يكون الهدف منها هو للتسويق السياسي وبناء الصورة الانتخابية، بعيدًا عن أي جهد لبناء إرادة سياسية إصلاحية حولها.

ولا شك أن جدية هذه المبادرات يجب أن تظهر في بناء تحالف عابر للكتل النيابية من أجل العمل على اقراراها والتصدي للمصالح التي قد تريد عرقلتها، وليس الاكتفاء بتسجيل الاقتراحات والإعلان عنها عبر وسائل الإعلام ومن ثم التنصل منها أو إهمالها.

حقوق العمال في الأسرة الحديثة 

إن تعزيز حقوق العمال في لبنان عبر تمديد إجازة الأمومة واستحداث إجازة للأبوة يشكل خطوة إيجابية لا سيما في ظل الأزمة الاجتماعية المستفحلة التي يشهدها لبنان. فمع تزايد المسؤوليات الملقاة على عاتق الوالدين في العصر الحديث، لم تعُد الإجازة وسيلة من أجل الترفيه بل باتت حاجة ضرورية كي تتمكن الأسرة من تنظيم شؤونها الخاصة. فمع انحلال الأسر الكبيرة وانتشار نموذج الأسرة النوويّة التي باتت الوحدة العائلية المستقلة والقائمة بذاتها، لم يعدْ بمستطاع الأب أو الأم الاعتماد على مساعدة أعضاء من الأسرة الكبيرة كما كان الأمر في السابق. 

لذلك أصبحت هذه الإجازة النتيجة الطبيعية لاستقلال الأفراد في الاهتمام بحياتهم الخاصة وحاجتهم مثلا إلى النزوح للمدينة من أجل العمل، ما يبعدهم عن أقاربهم ويحدّ جدا من إمكانية حصولهم على أيّ مساعدة في الاهتمام بأطفالهم، لا سيما بعد وضع الأم لمولودها حين يحتاج هذا الأخير لأكبر قدر ممكن من الرعاية.

عليه، يمثّل رفع مدة إجازة الأمومة من عشرة إلى أربعة عشر أسبوعاً خطوة إيجابية من حيث المبدأ، انسجاماً مع المعايير الدولية التي توصي بتمكين الأم من فترة تعافٍ ورعاية كافية للمولود. إلا أن اقتراح النائب افرام لم يُرفق بدراسة أثر مالية أو اقتصادية، لا سيما على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة، ما قد ينعكس سلبًا على فرص توظيف النساء.

من جهة ثانية، يشكّل إقرار إجازة أبوة مدفوعة الأجر تطوراً نوعياً في مقاربة دور الأب داخل الأسرة، إذ ينتقل من الدور المادي البحت إلى الشراكة الفعلية بين الوالدين في رعاية المولود. كما أن تكريس حماية خاصة للأجير خلال فترة الإجازة (منع الصرف أو الإنذار) يُعدّ ضمانة ضروريّة لتطبيق هذه المبادرات.

لا بل أن مدة الإجازة المقترحة للأب (ثمانية أيام مدفوعة بالكامل في اقتراح، وخمسة أيام قابلة للتمديد من دون أجر في اقتراح آخر) لا تفي بالمطلوب كونها قصيرة جدًّا ولا تسمح للوالد بالانصراف كليًّا للاعتناء بطفله ومساندة زوجته في هذه المرحلة من حياتهما الأسرية. 

ولا شكّ أن هذه الاقتراحات يمكن تفسيرها بأنها خطوة إيجابية للتخلي عن النظرة الذكورية التي كانت مهيمنة طويلا في المجتمع بحيث ينحصر دور المرأة في تربية الأطفال عبر الاهتمام بطعامهم وملبسهم وصحتهم بينما يتولى الرجل إعالة الأسرة وقيادتها، أي أن دور المرأة ينحصر داخل المنزل بينما يخرج الرجل إلى المجتمع ويشكل رابطة تواصل العائلة مع العالم الخارجي. فإجازة الأبوة تعني أيضا أن الرجل سيظل في منزله للاهتمام بأطفاله بينما يكون بإمكان المرأة أن تخرج من المنزل كي تسعى لتحقيق أهدافها الخاصة أو لتأمين التواصل بين عائلتها والمجتمع.  

لذلك يمكن القول أن المساواة التي تحققها إجازة الأبوة لا تكمن فقط في تمكين الأب من الاستفادة من إجازة مثل الأم لكن في إيجاد ظروف حياتية مماثلة لكل من الرجل والمرأة بحيث تتمكن المرأة من الخروج من منزلها أيضا. فالحرية التي تكتسبها المرأة من إجازة الأبوة تعني أن المساواة مع الرجل باتت متحققة ولها معنى، لأن من شأن ذلك التخلي عن الصورة النمطية التي تريد أن ترى في المرأة هذا الكائن الضعيف الذي يحتاج دائما إلى حماية الرجل بل فردا مكتمل الحقوق بحيث تتعاون المرأة مع شريكها من أجل الاهتمام بالشؤون الأسرية.

إشكالية إجازة الأبوة في القطاعين العام والخاص 

من الملاحظ أن اقتراح النائب افرام حول اجازة الأبوة جاء شاملا كونه تنبه إلى التمييز بين نظام الموظفين وقانون العمل بينما اقتصر اقتراح النائب ميشال الدويهي على تعديل قانون العمل. فالرجل العامل لا يوجد فقط في القطاع الخاص لكنه أيضا يوجد في الوظيفة العامة على اختلاف أشكالها. من هنا يمكن القول أن اقتراح النائب افرام هو أكثر عدالة كونه لا يميّز بين الموظفين في القطاع العام والموظفين في القطاع الخاص إذ يمنحهم إجازة ثمانية أيام على قدم المساواة.

لكن الوظيفة العامة تشمل فقط جميع الموظفين الخاضعين لأحكام نظام الموظفين (المرسوم الاشتراعي 112 تاريخ 12 حزيران 1959) أي الذين ينتمون إلى ملاكات الإدارة المركزية للدولة اللبنانية. من هنا يتوجب الطرح سؤال مدى شمول هذا الاقتراح للمستخدمين (موظف، متعاقد أو أجير) في المؤسسات العامة والبلديات كذلك عناصر المؤسسات العسكرية الأمنية. فحتى لو تم الافتراض أن نظام المستخدمين المعمول به في تلك المؤسسات يلحظ اجازة أبوة لكن ذلك لا يشكل ضمانة كافية كتلك التي يشكلها تكريس هذا الحق في القانون المتعلق بالمؤسسات العامة ومختلف الأسلاك العسكرية.

في الخلاصة، يتبين أن هذه الاقتراحات تشكل تطورا إيجابيا في مجال تعزيز حقوق العمال لكن هذا لا يمنع من التساؤل حول كيفية حماية تلك الحقوق في ظل تراجع القدرة الشرائية لرواتب هؤلاء واضمحلال قيمة تعويضاتهم وتراجع تقديمات صندوق الضمان الاجتماعي، هذا فضلا عن التعطيل الحاصل في مجالس العمل التحكيمية ما يجعل منهم في الحقيقة عمالا مستلبين لا خيار لهم سوى التسليم بسلطة الأقوى.