اقتراح لاعتماد الصوتين التفضيليّين: تعزيز لمشاركة المواطنين أو لسطوة الزعيم؟
14/01/2026
تقدّم النواب قبلان قبلان وقاسم هاشم وجميل السيد وغازي زعيتر بتاريخ 11 تشرين الثاني 2025 باقتراح قانون يرمي إلى تعديل قانون الانتخابات رقم 44 الصادر سنة 2017 لإعطاء الناخب إمكانيّة منح "صوتين تفضيليين لمرشّحيْن اثنيْن من المرشحين الواردة أسماؤهم في اللائحة التي اختارها، شرط أن يكون الصوتان التفضيليان ضمن الدائرة الصغرى نفسها إن وجدت، أو ضمن المحافظة عند اعتماد المحافظة دائرة انتخابيّة".
بالإضافة إلى ذلك، ينص الاقتراح على تعديل "نظام احتساب الأصوات التفضيليّة بحيث يراعى توزيع الصوتين ضمن الكتلة الناخبة من دون الإخلال بنظام احتساب الحاصل الانتخابي ومقاعد اللائحة".
وقد جاء في الأسباب الموجبة للاقتراح، أنّ "اعتماد الصوتين التفضيليين يعزز حرية الناخب في اختيار ممثليه داخل اللائحة، ويمكّن المواطنين من دعم مرشحين متكاملين في التوجهات أو يمثلون توازنًا مناطقيًّا وسياسيًّا داخل اللائحة الواحدة". واعتبر النّواب أنّ هذا التعديل يخفّف من ضغوط المنافسة والتوتّرات بين المرشّحين، كما "يقلل من التوترات المناطقيّة والشخصيّة، كما يمنح اللائحة قدرة أكبر على تمثيل التنوع الداخلي".
وأنتهت الأسباب الموجبة باعتبار أنّ هذا التعديل يشكل "تطوّرًا تقنيًّا منسجمًا مع توسّع الدوائر الانتخابيّة واعتماد النظام النسبي، ويحصّن العمليّة الانتخابيّة بآليات أكثر مرونة وعدالة".
إن هذا الاقتراح يستوجب الملاحظات التالية:
الحد من التنافس بين المرشحين
لا شك أن اعتماد النظام النسبي في قانون الانتخابات سنة 2017 كان من أهم التطورات التي شهدتها الانتخابات النيابية في لبنان منذ اعتماد النظام الأكثري سنة 1922. فقد نص هذا القانون على أن ضرورة انتظام المرشحين ضمن لوائح انتخابية بحيث تفوز كل لائحة بعدد من المقاعد يساوي نسبة الأصوات الصحيحة التي حصلت عليها. لكن تحديد عدد المقاعد لكل لائحة لا يكفي إذ لا بد من معرفة من هم المرشحين من ضمن اللائحة الواحدة الذين سيحصلون على المقاعد التي فازت بها تلك اللائحة. من هنا أهمية الصوت التفضيلي الذي يمنحه الناخب لمرشح واحد في اللائحة التي اختار الاقتراع لها كون مجموع الأصوات التفضيلية تسمح بتحديد من هم المرشحين الذين نالوا العدد الأكبر من الأصوات ما يجعلهم من الفائزين في الانتخابات.
وهكذا يتبيّن أن الصوت التفضيليّ يؤدّي إلى إدخال منطق التناقس داخل اللائحة من أجل الحصول على الأصوات التفضيليّة، لا سيما أنّ الناخب لا يحقّ له الإدلاء إلا بصوت تفضيلي واحد، علما أن النظام الانتخابي في لبنان يعتمد اللوائح المقفلة أي أن الناخب لا يحق له سوى الاقتراع للائحة بكاملها ما يعزز من هيمنة الأحزاب السياسية التقليدية التي ستتمكن من فرض جميع مرشحيها على الناخبين.
بمنحه الناخب الحق بالإدلاء بصوتين تفضيليين، يهدف الاقتراح إلى التخفيف من التنافس داخل اللائحة الواحدة عبر السماح بتبادل الأصوات بين المرشحين ما يخلق هامشًا أكبر من الحرية للتحالفات السياسية ويعزز من حرية المرشح تجاه ناخبيه.
وعلى الرغم من أن الصوت التفضيلي الثاني قد تكون له تداعيات إيجابية نظريا لجهة الحد من الاستقطاب بين المرشحين ما يؤدي إلى تعزيز الاعتدال في الخطاب السياسي وعدم الجنوح نحو طروحات شعبوية تقوم على التعبئة الطائفية، لكن سيطرة أحزاب الزعماء على غالبية الدوائر الانتخابية لن تساهم في إبراز هذه الإيجابيات التي ستظل ثانوية مقارنة بطروحات تلك الأحزاب التي اعتادت التحريض ومفاقمة الانقسام بين اللبنانيين حول مواضيع تتعلق أساسا بالهوية من دون الاكتراث فعليا بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية التي تخص جميع المواطنين.
لذلك يمكن القول أن هذا الاقتراح لا يهدف فعليا إلى الدفاع عن حرية الناخب كما يزعم في أسبابه الموجبة بل الحد من التنافس بين مرشحي اللائحة الواحدة كي يتمكنوا من تعزيز قبضتهم على الناخبين وضمان فوزهم بالعدد الكافي من الأصوات التفضيلية التي تجيز فوز مرشحين محددين.
اقتراح يريح الزعيم
تنص الفقرة الأولى من المادة 98 من قانون الانتخابات على التالي: "لكل ناخب أن يقترع للائحة واحدة من بين اللوائح المتنافسة، ويحق له الاقتراع بصوتٍ تفضيليٍ واحد لمرشحٍ من الدائرة الانتخابية الصغرى من ضمن اللائحة التي يكون قد اختارها".
وهكذا يتبين أن الصوت التفضيلي يمنح فقط في الدوائر الانتخابية الصغرى أي لمرشحين عن هذه الدوائر حتى لو كانوا من ضمن لائحة تضمّ جميع المرشحين عن الدائرة الكبرى. ولا شك أن الدوائر الصغرى هي منسجمة طائفيا أكثر من الدوائر الكبرى ما يعني أن الصوت التفضيلي سيمنحه الناخب لمرشح ينتمي على الأرجح إلى طائفته.
وبالتالي، في المناطق التي تسيطر عليها أحزاب الزعماء ستكون هذه الأخيرة مرغمة على توزيع أصواتها التفضيلية على مرشحين مختلفين من ضمن الدائرة الصغرى كي تضمن فوزهم. فالصوت التفضيليّ الواحد يحدّ من إمكانية التعبير عن الولاء إلى الزعيم الذي سيجد نفسه مضطرّا إلى إعطاء توجيهات بكيفية توزيع أصوات كتلته الناخبة بغية تأمين فوز المرشحين الذين يتبعون سياسيا له بشكل مباشر.
فبموجب قانون الانتخابات الحالي يمكن لأحزاب السلطة عقد التحالفات على مستوى الدوائر الكبرى بينما يستمر التنافس بين تلك الأحزاب في الدوائر الصغرى حتى من ضمن اللائحة الواحدة لأن تحديد المرشح الفائز يعتمد على الأصوات التفضيلية كما شرحنا أعلاه. فالاقتراح بانتقاله من الصوت التفضيلي الواحد إلى الصوتين التفضيليين سيسمح للزعيم بالاستفادة بصورة أكبر من كتلته الناخبة بحيث يتم مثلا منح صوت إلى المرشحين التابعين له وصوت آخر إلى حليف أو مموّل موثوق.
فالأصوات التفضيلية تصب في لبنان لصالح الزعيم السياسي وهذا ما يظهر بوضوح من خلال أرقام الانتخابات الأخيرة التي حصلت سنة 2022 إذ يتبين مثلا أن النائب محمد رعد حصل في دائرة الجنوب الثالثة (النبطية) على 48543 صوتا تفضيليا من أصل 82057 صوتًا تفضيليًّا في دائرته الصغرى النبطية، والنائب نبيه بري حصل في دائرة الجنوب الثانية (صور الزهراني) على 42091 صوتا تفضيليا من أصل 45749 صوتًا تفضيليًّا في دائرته الصغرى قرى صيدا، بينما حصل النائب ملحم رياشي في دائرة جبل لبنان الثانية (المتن) على 15254 صوتا تفضيليا من 78123 صوتًا تفضيليًّا في دائرته المتن، كذلك النائب بيار بو عاصي حصل في دائرة جبل لبنان الثالثة (بعبدا) على 14756 صوتا تفضيليا من أصل 62147 صوتًا تفضيليًّا في دائرته الصغرى بعبدا، والنائب جبران باسيل الذي حصل في دائرة الشمال الثالثة (البترون) على 8922 صوتا تفضيليا من أصل 33519 صوتًا تفضيليًّا في دائرته الصغرى البترون، في حين تمكن النائب تيمور جنبلاط في دائرة جبل لبنان الرابعة (الشوف عاليه) من الحصول على 12971 صوتا تفضيليا من أصل 99922 صوتًا تفضيليًّا في دائرته الصغرى الشوف.
تثبت هذه الأرقام أن الأصوات التفضيلية تصبّ في مصلحة الزعيم الطائفي أو ممثليه ما يعني مضاعفة تأثير الزعيم في حال جرى اعتماد الاقتراح الحالي بحيث يتمّ منح الناخب القدرة على الإدلاء بصوتيْن تفضيليين إلى مرشّحي الدائرة الصغرى، ما يعني تعزيز هيمنة الزعيم والإمعان في إضعاف اللوائح المنافسة لا سيّما تلك التي لا تنتمي إلى الأحزاب التقليدية التي تنسج دائما تحالفات انتخابية تسمح لها بإقصاء المرشحين الذين لا يشكلون جزءا من النظام السياسي الحاكم. صحيح أن تعدّد الأصوات التفضيلية قد يعزز أيضا من فرص التعاون بين الأحزاب الجديدة والتيارات التغييريّة الحقيقيّة لكنه في الوقت نفسه يوسع من هامش حركة الأحزاب التقليدية الممسكة بكل مفاصل السلطة ما يحدّ جدّا من ايجابيات الاقتراح المحتملة لناحية إحداث تغيير فعلي في السلطة.
اقتراح ناقص
يشوب الاقتراح خللٌ في تحديد تفاصيل تطبيقه كونه يكتفي بنصّ عامّ ومبهم يقول بضرورة تعديل نظام احتساب الأصوات التفضيليّة "بحيث يراعى توزيع الصوتين ضمن الكتلة الناخبة من دون الإخلال بنظام احتساب الحاصل الانتخابي ومقاعد اللائحة".
ولا شكّ أن هذا النص لا يكفي أبدا بالمطلوب إذ لا معنى قانوني له في الحقيقة. فالمادة 98 في القانون الحالي تحدد كيفية الإدلاء بالصوت التفضيلي الواحد بشكل واحد إذ هي تعلن مثلا أنه في حال أدلى الناخب "بأكثر من صوت تفضيلي واحد ضمن اللائحة، فلا يحتسب أي صوت تفضيلي وتحتسب اللائحة لوحدها". كذلك "في حال اقترع الناخب للائحة وأدلى بصوت تفضيلي ضمن لائحة أخرى أو ضمن لائحة عن دائرة صغرى غير التي ينتمي إليها، فلا يُحتسب أي صوت تفضيلي وتحتسب اللائحة لوحدها" أو "في حال لم يقترع الناخب لأي لائحة وأدلى بصوتٍ تفضيلي ضمن لائحة واحدة وتحتسب اللائحة والصوت التفضيلي".
لذلك كان على الاقتراح معالجة هذه المسائل وعدم الاكتفاء بنص عام لا يصلح من حيث صياغته التشريعية. فما هو الحل في حال أدلى الناخب بصوتين تفضيليين للوائح مختلفة؟ ما العمل في حال أدلى بصوتين تفضيليين للوائح مختلفة من دون الاقتراع لأي لائحة منهما؟ اسئلة يتركها الاقتراح دون إجابات واضحة.
في الخلاصة، يتبين أن هذا الاقتراح يزعم تعزيز مشاركة الناخبين وتمكينهم من التعبير عن رأيهم بشكل أفضل. ولا شك أن التحليل القانوني المجرد قد يسمح بهكذا استنتاج. إلا أن فهم مرامي الاقتراح الحقيقية يحتاج في المقام الأول إلى معرفة كيفية عمل النظام السياسي وسيطرة أحزاب السلطة على المجتمع اللبناني. فالصوت التفضيلي الثاني ليس صوتا من أجل مضاعفة تأثير المواطن بل من أجل مضاعفة نفوذ الزعيم وتمكينه من حشد كل قدراته الزبائنية بهدف تحقيق مصالحه في الانتخابات النيابية. لذلك، لا يمكن فصل هذا الاقتراح عن الصراع الدائر حول تعديل قانون الانتخابات بشكل عام، والجدل بخصوص تصويت المغتربين بشكل خاص، وهو صراع يؤدي دائمًا إلى ربط حقوق المواطنين السياسية بالتوافقات بين الكتل النيابية المهيمنة على مجلس النواب وكأن تلك الحقوق لا وجود لها خارج إرادة السلطة الحاكمة.