تعزيز صلاحيات الحاكم وتعويم المصرفيين: ملاحظات حول التعديلات الأخيرة لقانون إصلاح المصارف
12/08/2026
يتضمن جدول أعمال آخر جلسات المجلس النيابية لدورته العادية في 11 و12 آب 2026 النظر في التعديلات التي أقرتها لجنة المال والموازنة، بعد سبع جلسات عمل، على مشروع تعديل قانون إصلاح وضع المصارف رقم 23 الصادر في 31/7/2025. وتتضمن الصيغة النهائية لمشروع تعديل القانون المذكور الأخذ بعين الاعتبار ما سبق أن قرره المجلس الدستوري بخصوص الطعن ببعض مواده وأيضا ما أوصى به صندوق النقد الدولي وذلك على نحو يستجيب لرغبة حاكم مصرف لبنان كريم سعيد بضرورة الحفاظ على استقلالية مصرف لبنان وعلى مبدأ تجانس التشريع المصرفي.
وكانت المفكرة القانونية قد سجلت تباعا عددًا من الملاحظات على القانون المذكور والمشروعين اللذين وضعا لتعديله. وقد وردت هذه الملاحظات في مقالات نشرت بتواريخ 11/8/2025 و22/10/2025 و6/6/2026 و28/7/2026 وقد تم اعتماد غالبيتها . لكن لم يؤخذ ، على أهميته، باقتراح فصل الهيئة المشرفة على اتخاذ القرارات الخاصة بعمليات إصلاح وتصفية المصارف، أي الهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية)، عن مصرف لبنان على وجه يحقق حسن الحوكمة بالنأي عن تركز السلطة لدى الأخير. وهو ما شكا منه صندوق النقد الدولي صراحة في تقريره التشخيصي الأخير عن ضعف الحوكمة ومكامن الفساد في لبنان تاريخ تشرين الأول 2025.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الخلاف الحاصل في مناقشة هذا المشروع يخفي خلافًا أعمق حول الدور الذي يجدر أن يؤديه مصرف لبنان ليس فقط في معالجة الأزمة المالية التي يتحمل مسؤولية كبيرة في التسبب بها بل أيضًا في تنظيم المصارف مستقبلًا على ضوء التجارب العالمية والتجربة اللبنانية الكارثية. وهو أمر لا بدّ أن يطرح عند فتح ورشة مستحقة أخرى هي ورشة تعديل قانون النقد والتسليف. فكما أشرنا إليه سابقا، فإن استقلاليّة المصرف المركزي ترسخت تاريخيا بهدف تحقيق أمرين اثنين هما حمايته من محاولة السلطة إملاء قرارتها عليه في موضوع إقراضه لها ما تحتاجه من أموال وأيضا فيما خصّ استعماله أدوات السياسة النقدية لتحقيق الاستقرار في أسعار الصرف كما الاستقرار الاقتصادي وفي مقدمتها تحديد معدّل الفائدة. بالمقابل، فإن تنظيم المصارف، والذي قد يعهد به للمصرف المركزي، فليس من صلب مهامه ويحتمل بل يفضل أن يعهد به إلى هيئات أخرى كما هو الأمر في سويسرا وألمانيا. وعليه، فإن أيّ طلب أو توصية قد يأتي من الهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية)، المعنية بإصلاح التعثر المصرفي، إلى مصرف لبنان لا يمكن وصفه بأنه مساس باستقلالية الأخير. بل على العكس من ذلك، كان يؤمل أن تشكل ورشة هذا القانون فرصة لفصل الأنشطة المتعلقة بالمصارف عن مصرف لبنان وحصر مهامّ الأخير بشؤون النقد على النحو المعمول به في بلدين رائدين بالاستقرار المصرفي هما ألمانيا وسويسرا. والحجّة الاولى أن الأزمة ما كانت لتحصل لو كان هذا الفصل قائما لأن السلطة المصرفية ما كانت لتسمح لحاكم مصرف لبنان أن يستجلب دولارات المودعين لدى المصارف إلى صناديقه تحت أيّ عذر من الأعذار ولو من خلال تشويه تفسير النصوص القانونية كما حصل، والحجة الثانية عدم ملاءمة تولي حاكم مصرف لبنان أي منصب قيادي يتعلق بالبتّ بموضوع إصلاح المصارف المتعثرة باعتبار أن لمصرف لبنان دور أساسي في هذا التعثر، وهو أمر لم يشهد تاريخ العثرات المصرفية مثيلا له، وتجاوز هذا الامر يكون كمن يثبت لأحد المتخاصمين صفة الخصم والحكم بآن واحد.
وعلى نقيض ذلك وعلى نقيض توصيات صندوق النقد الدولي، عدات لجنة المال والموازنة لتستجيب لمطالب حاكم مصرف لبنان بإبقاء يده العليا على تطبيق القانون بحجة منع التداخل في ممارسة الصلاحيات، من خلال إبقاء هدف القانون كما ورد في المادة 3 تحت سقف المادة 70 من قانون النقد والتسليف. كما جردت الهيئة المصرفية العليا من صلاحية الطلب إلى المجلس المركزي لمصرف لبنان بإصدار تعاميم.
علاوة على ذلك، تناقلت عدد من وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي تحفّظات لجمعيّة المصارف على مشروع تعديل القانون 23 بالصيغة التي تمّ التوافق عليها في لجنة المال والموازنة. وعلى هذا يمكن تسجيل الملاحظات التالية على النصّ الأخير لمشروع تعديل القانون المذكور المعروض حاليا على الهيئة العامة لمجلس النواب وعلى تحفّظات جمعية المصارف عليه.
المودع الواحد
أضاف مشروع تعديل القانون 23 في مقدمته المخصصة للتعريفات، اعتبار "المودع الواحد كل شخص طبيعي أو معنوي يملك ودائع لدى المصرف عينه بحيث تجمع جميع الحسابات العائدة له وحصته من الحسابات المشتركة في ذلك المصرف، وتعامل كوديعة واحدة بغض النظر عن عدد هذه الحسابات أو أنواعها. كما يعتبر بحكم الحساب الواحد حساب التركة والحساب المشترك بصرف النظر عن عدد أصحاب كل منها".
هذا النص يفضل بالتأكيد على النص الوارد في مشروع قانون الفجوة المالية الذي أقرته الحكومة وأحالته إلى مجلس النواب بانتظار البدء بمناقشته في الدورة القادمة. وكانت المفكرة القانونية السباقة في انتقاد النص المذكور في مقال نشرته في 19/12/2025 لاعتباره "بمثابة ودیعة واحدة مجموع الحسابات الشخصیة للمودع كما وحصته من الحسابات المشتركة لدى "جمیع المصارف". لكن يبقى مطلوبا من الهيئة العامة لمجلس النواب إعادة النظر مجدّدا بالموضوع، واعتبار المودع الواحد ليس فقط في كل مصرف بل أيضا في كل حساب مشترك أو في كل فئة من الأصول كما هو الأمر فيما خص ضمان الودائع في فرنسا والولايات المتحدة.
السيطرة الفعلية
الموضوع الثاني الذي كان قد أثار جدلا في مناقشات لجنة المال والموازنة هو "تعريف السيطرة الفعلية على المصرف" من أجل المشاركة بإعادة الرسملة وزيادة رأس المال. فقد اعتمد مشروع الحكومة "معيار امتلاك أكثرية الأسهم" ثمّ تمّ الاتفاق على "اعتبار السيطرة الفعلية محققة، متى توافرت لشخص طبيعي او معنوي أو لمجموعة من الأشخاص، "بالتنسيق فيما بينهم"، إمكانية انتخاب أكثرية أعضاء مجلس الإدارة الذين يتولون بدورهم تعيين أعضاء الإدارة التنفيذية للمصرف والإشراف على أعمالها".
وقد أوضح رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان في كتاب إحالته للنص النهائي الذي تم الاتفاق عليه في اللجنة الى رئاسة المجلس النيابي، أن هناك تباينا قد حصل بين النواب حول المساهمين المطلوب عدم السماح لهم بالمشاركة باعادة الرسملة والذين كانوا "يسيطرون على إدارة المصرف" قبل وضعه قيد الإصلاح.
فمنهم من اعتبر أن المعيار الوارد في نص الحكومة لمنع المساهمين القدامى من المشاركة بإعادة الرسملة لا يشمل الأقلية التي كان لها حق السيطرة الفعلية effective control واعتبروا أن للمساهمين الحق بإعادة الرسملة في حال لم يشاركوا بإدارة المصرف وتحديدا في حال لم يكونوا من أصحاب حقوق السيطرة حسب تعريف مصرف لبنان، انطلاقاً من أنّ من يدير المصرف ويتحكم بقراراته قد لا يكون بالضرورة صاحب الحصة الكبرى، بل قد يمتلك نسبة أقل من الأسهم مع احتفاظه بالنفوذ الفعلي داخل المؤسسة".
وقد لفت كنعان إلى ما ورد أيضا في مشروع الحكومة من استثناء يحيث "يمكن إشراك جميع المساهمين في إعادة الرسملة فقط في حالات تطبيق قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع" أي أن ما اتّفق عليه يندرج في إطار التطبيق المستقبلي ولا ينصرف أثره إلى أوضاع الأزمة الحالية. فبحسب كنعان، "الجدل الدائر لا يمس الأزمة الحالية أصلاً، لأن مشروع الحكومة، وبالتوافق مع صندوق النقد، استثنى المرحلة الراهنة من تطبيق هذا الحكم وربطها بقانون الانتظام المالي. وتالياً، فإن ما اتفق عليه يتيح لجميع المساهمين الاكتتاب في زيادة رأس المال ضمن معالجة الأزمة الحالية، فيما يقتصر تطبيق معيار "السيطرة الفعلية" على أي حالات تعثر مصرفي مستقبلية بعد انتهاء الأزمة. توجه واضح بأنه غير صائب وغير منطقي ولا يقوم على أي سند يبرر التمييز الذي قضى به.
وكان موقف الحاكم سعيد أن التمييز بين المساهمين على أساس "نسبة الملكية" قد يثير إشكاليات دستورية، في حين يربط معيار "السيطرة الفعلية" المسؤولية بمن يمارس القرار الحقيقي داخل المصرف، بغض النظر عن حجم مساهمته. وقد أشار في كتابه الذي أرسله إلى رئيس لجنة المال والموازنة رقم 464/1 تاريخ 29/7/2026 إلى أن امتلاك 51% من الأسهم في الولايات المتحدة وأوروبا لا يعتبر شرطا لازما أو كافيا للسيطرة على مصرف، فأنظمة هذه الدول تعتمد معيارا "وظيفيا" لا "شكلي" فالمهم تحديد الجهة التي تملك من الناحية العملية القدرة على توجيه الإدارة الاستراتيجية للمصرف ورسم سياساته والتحكم في تشكيل مجلس الإدارة باعتباره الجهة المختصة بتعيين الرئيس التنفيذي والمدير المالي ومدير المخاطر ومدير الامتثال. وأضاف سعيد في كتابه أن السلطات الرقابية الأميركية والأوروبية تجمع حصص المساهمين الذين يتصرفون بصورة منسّقة وتقيّم تلك الحصص مجتمعة عند تحديد ما إذا كانت تؤدي إلى "سيطرة فعلية" على المؤسسة أم لا .
وقد لفت الوكيل القانوني لجمعية المصارف المحامي إيلي شمعون إلى اقتصار النص الذي تم التوفق عليه على عبارة "بالتنسيق فيما بينهم" من دون تفصيل مما يمنح سلطة استنسابيّة واسعة للهيئة المصرفية العليا غير مبنية على معايير موضوعية. وهذا الأمر يضرب مبدأ اليقين القانوني ووضوح النص التنظيمي. لذلك، يقتضي فرض التعليل عند تصنيف أشخاص كـ”منسقين”، لا اعتماد مجرد الاستنتاج، وفتح المجال لحقّ الطعن الإداري أو القضائي في قرار التصنيف. وقد اقترح منح الحقّ لجميع المساهمين، من دون تمييز بينهم بسبب صفة السيطرة، في الاشتراك في أيّ زيادة لرأسمال المصرف تُقرّر تنفيذاً لخطة إعادة الهيكلة، وذلك بما يحفظ نسبة ملكيتهم قبل الزيادة، ما لم يثبت للهيئة المصرفية العليا، بقرار معلّل قابل للطعن، مسؤولية شخصية مباشرة لمساهم صاحب سيطرة عن أسباب تعثر المصرف، فيجوز عندها للهيئة أن تفرض عليه تعليق حق التصويت المرتبط بحصته الجديدة لفترة محددة، من دون أن يصل ذلك إلى الحرمان المطلق من حق الاكتتاب المكرّس بالمادة 105 من قانون التجارة”. اقتراح واضح في مرماه وهو تعويم المصرفيين الذين كانوا في موقع القرار عند اندلاع الأزمة على أساس عدم وجود أي خطا مرتكب من قبلهم والحجة جاهزة وهي أن "الازمة نظامية".
النقاش القانوني السابق كان من الممكن تصويب وضبط تفرعاته بالاقتباس مما اعتمده المشرع البلجيكي في قانون الشركات والجمعيات الصادر في 23 مارس 2019 بموضوع السيطرة أو الرقابة على الشركة المساهمة في مواده من رقم 1-14 الى 1-18 من تفاصيل أكثر تعبيرًا ودقّةً مما اثير في نقاشات لجنة المال والموازنة ومن قبل محامي جمعية المصارف حول إطار "السيطرة الفعلية" و"إعادة الرسملة"، علمًا أن استغراق الخسارة كامل حصة مساهم قد يؤدي ليس فقط إلى فقدان قيمتها بل أيضا إلى فقدان المساهم حقوق التصويت وحقوقا أخرى كالأولوية والاكتتاب والشفعة وحتى اللجوء إلى القضاء إلا إذا ثبت وجود سوء إدارة او معلومات مضللة قبل الافلاس ليس طرفا فيها وتسمح بالطعن بمقررات إعادة الهيكلة.
المعايير الدولية
تشير المادة الثالثة من قانون قانون إصلاح وضع المصارف إلى أن هدفه وضع إطار قانوني يتلاقى مع المعايير الدولية Best International Standards المعتمدة بإعادة هيكلة المصارف وإصلاحها. ويرى محامي جمعية المصارف إيلي شمعون أن النص بالصيغة التي ورد فيها يشكل انتهاكا للدستور اللبناني لذا فهو يقترح "إضافة جملة توضح أن مراعاة المعايير الدولية يكون من دون إخلال بأحكام الدستور اللبناني والمبادئ ذات القيمة الدستورية. وفي حال التعارض بين حكم خاص في هذا القانون ومعيار دولي معتمد، يُرجّح الحكم الأكثر ضماناً لحقوق الدفاع والملكية والمساواة والتوافق مع أحكام الدستور اللبناني".
والتعليق على ما سبق هو إن الامتثال لمعايير الإصلاح المصرفي الدولية ليس في حد ذاته انتهاكًا للدستور الوطني فالتوصيات والمعايير الصادرة عن مؤسسات مثل لجنة بازل للرقابة المصرفية أو صندوق النقد الدولي هي مبادئ توجيهية تقنية واحترازية، وليست قواعد فوق وطنية إلزامية تُعطى الأولوية المطلقة على القانون. ويجب على السلطة التشريعية الوطنية ، في مرحلة الإصلاح، ضمان تطبيق هذه المعايير يحترم تسلسل القواعد ولا ينتهك المبادئ الدستورية على الأخص الحق في الملكية والمساواة بين المواطنين والحق في انتصاف قضائي فعال وغيره ..... فالأولوية هي بالطبع لسيادة الدستور ويمكن على الدوام إلغاء القوانين التنفيذية للمعايير الدولية في الاصلاح إذا انتهكت الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور.
الاستقلالية في أعضاء الهيئة المصرفية العليا
يلحظ القانون رقم 23 إنشاء غرفة ثانية لدى الهيئة المصرفية العليا مهمتها النظر بإصلاح الوضع في المصرف المتعثر أو تصفيته. يرأسها حاكم مصرف لبنان وتضم ستة أعضاء آخرين من بينهم خبيرين الأول مالي والثاني اقتصادي يكونان مستقلين عن أية جهة حكومية او مصرفية ويعينان بمرسوم من مجلس الوزراء من بين ثلاثة مرشحين لكل خبير يقترحهم وزير المالية بالنسبة للخبير المالي وثلاثة مرشحين آخرين يقترحهم وزير الاقتصاد بالنسبة للخبير الاقتصادي.
والسؤال الذي يطرح ذاته في هذا المضمار هو كيف يطلب شرط الاستقلال من عضوين من الغرفة الثانية للهيئة المصرفية العليا (الخبيرين المالي والاقتصادي) وهذا الشرط غير متوافر لدى أعضاء آخرين في الغرفة في مقدمهم رئيسها أي حاكم مصرف لبنان؟
يلحظ إيجابا أن الاقتراح يرمي إلى استبعاد دور الهيئات الاقتصادية (والتي تشكل جمعية المصارف جزءا منها) من تسمية الخبير الاقتصادي في الهيئة.
صلاحيات الهيئة المصرفية العليا
يرى محامي جمعية المصارف أن المادة 16 من قانون إصلاح المصارف هي الأكثر خطورة لأنها تمنح الهيئة المصرفية العليا صلاحيات واسعة جداً ممّا يفتح المجال أمامها لاتخاذ تدابير قد تكون تعسفيّة في بعض المجالات تحت ستار “إزالة العوائق أمام إمكانية إصلاح وضع المصرف”. وأشار على سبيل المثال إلى أحد هذه التدابير التي اعتبرها تعسفية وهو " الطلب من المصرف تغيير هيكليته القانونية أو التشغيلية، بما فيها إعادة تنظيم هيكلية الملكية " موضحا أنه في المعايير الدولية يقتصر الأمر على ما يملكه المصرف، وليس مساهميه. وكان اقتراحه تعديل الفقرة المعنية من المادة السادسة عشر لتصبح "الطلب من المصرف تعديل هيكليته التشغيلية المتعلقة حصراً بموجوداته وأصوله المباشرة".
الكلام السابق تنقصه بلا شك الدقة. فقط سبقت الإشارة إلى أن استغراق الخسارة كامل حصة مساهم، وهي الحالة في غالبية المصارف، يؤدي إلى فقدان المساهم مبدئيا حقوقه المرتبطة بملكية مساهمته من دون أن يمنع الهيئة المصرفية العليا من تجاوز الأمر لمقتضيات تسهيل عملية إعادة رأسمال المصرف موضع عملية الإصلاح.
كذلك يذكر محامي جمعية المصارف أن لا اعتراض على فرض استرجاع أموال مسددة لأعضاء مجلس الإدارة أو الإدارة العليا في حال حصل بصورة مخالفة للقانون أو لتعاميم مصرف لبنان، لكن ليس لقواعد حسن الحوكمة حيث يفتح المجال لاستنسابية غير مقبولة في التقدير. وهو يقترح هنا أن يكون الاسترجاع بموجب قرار قضائي نهائي يثبت المخالفة. الكلام الأخير لا يتوافق مع توجه متزايد لدى عدد من المصارف الكبرى ، منهم BNPI Paribas على سبيل المثال يدرج بنود تعليق او استرداد clawback أموال مسددة للقيمين على الأدارة المصرفية خلافا لسياسات الحوكمة، كأن تكون نتيجة مخاطرة مثبتة أو مسندة إلى بيانات خاطئة أو انتهكت بشكل مثبت للأخلاقيات وغيره.
أخيرًا يشير محامي جمعية المصارف إلى أن استرجاع الأموال المحولة إلى أطراف أخرى أو إلى الخارج بشكل تمييزي أو غير عادل بعد تاريخ 17 تشرين الأول 2019 يفتح المجال للاستنسابية إذ يعود للهيئة أن تقرر وجود أو عدم وجود هذا التمييز. ويقترح أن يحصل الاسترجاع وفق معايير موضوعية للتمييز غير المبرر تحدد بمرسوم.
الاقتراح المذكور يصادر فكرة أن قيام أيّ مصرف بتحويل استنسابي بعد إعلان التعثر يضرّ بمصلحة سائر المودعين ويعتبر قانونا من قبيل الارتكاب لجريمة الافلاس التقصيري سندا للمادة 633 (الفقرة 4) وأيضا لجريمة تبييض أموال غير مشروعة. واسترجاع الأموال المحولة استنسابيا يجب ان يكون بهدف إضافتها إلى ودائع ما قبل 17 تشرين الأول وليس إلى ودائع ما بعد هذا التاريخ وهذا ما غفل عن تأكيده الذين عملوا على صياغة النص الذي يحكم استرجاع الأموال المسحوبة اوالمحولة بعد التاريخ الأخير.
المدير المؤقت والمصفي
تعدد المادتان 20 و24 من قانون إصلاح وضع المصارف شروطا عدة يقتضي توافرها في المدير المؤقت أو المصفي عند تعيينهما تضمن الكفاءة والاستقلالية وعدم تضارب المصالح. ويمكن التفكير من أجل مزيد من التحصين باقتراح أن لا يكون أيّ منهما من قبل القيمين على إدارة مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف على الأخص ما بين عامي 2015 و2019 حيث شكلت الهندسات المالية التي روج لها خلال الفترة السابقة الفتيل الذي أشعل الأزمة.
ملاحقة القيمين على إدارة المصرف المصفّى
الأمر الأكثر إثارة في تعديل قانون إصلاح المصارف هو ما ورد في المادة 23 منه التي تسمح بملاحقة القيمين على إدارة المصرف المصفّى وإلقاء الحجز الاحتياطي على أموالهم بمجرد "الاشتباه" بتورطهم بجرائم مدنية أو جزائية.
وقد رأى محامي جمعية المصارف أنه كان الأفضل استبدال كلمة “الاشتباه” بـ كلمة ”التثبت”. واقترح تبعا لذلك تعديلا يتضمن عدم جواز اتّخاذ أيّ إجراء تحفظي على أموال القيمين على إدارة المصرف إلا بعد التثبت من ارتكابهم فعلاً موصوفاً جزائياً أو مدنياً بموجب قرار قضائي أوليّ، ولا يكفي مجرد الاشتباه بذلك”.
جدير بالذكر أن المادة 13 من القانون رقم 2/67 تاريخ 16/1/1967(إخضاع المصارف التي تتوقف عن الدفع لأحكام خاصة) والمادة 6 من القانون رقم 110/1991 (إصلاح الوضع المصرفي) تشيران إلى اعتبار ﺠﻤﻴﻊ الأﻤوال المنقولة وﻏﻴر المنقولة العائدة لكل ﻤن الرﺌﻴس وأﻋﻀﺎء ﻤﺠﻠس إدارة المصرف الموضوع اليد عليه وسائر الأشخاص الذين لهم حق التوقيع عنه ولمفوضي المراقبة لديه السابقين والحاليين الذين تولوا إدارة أو مراقبة أعمال وحسابات المصرف او التوقيع عنه خلال فترة الثمانية عشرشهرا السابقة لتاريخ التوقف عن الدفع محجوزة حجزا احتياطيا لضمان المسؤوليات التي قد تترتب عليهم وذلك دون حاجة لإقامة دعوى إثبات الحجز .
مما سبق تتجلى بوضوح وجود رغبة يختزنها مشروع تعديل قانون المصارف باستبعاد "الحجز التلقائي" على أموال وممتلكات القيمين على إدارة ورقابة المصرف الذي تقرر وضعه قيد التصفية والتي تنص عليها القوانين المرعية الإجراء وربط حصول هذه الإجراءات "بوجود اشتباه" أو"بالتثبت" من تورطهم بارتكابات معاقب عليها. وهو منحى لا يمكن تفسيره إلا بالسعي للتمويه بما أمكن عن ارتكابات هؤلاء القيمين والحجة حاضرة كما أسلف القول وهي "أن الأزمة نظامية".