اقتراحان لتمديد جديد للمهل بفعل الحرب: الظروف الاستثنائية لا تبرر التوسع في التعليق

حلا نجّار

31/03/2026

انشر المقال

إثر الأوضاع الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد نتيجة العدوان الإسرائيلي الثاني على لبنان منذ مطلع شهر آذار ولغاية تاريخه، عمد كل من النائبين بوليت يعقوبيان وسامي الجميّل منفردين إلى تقديم اقتراحي قانون معجّلين مكررين يهدفان إلى تعليق المهل القانونية، القضائية والعقدية. وقد جاء الاقتراحان شبيهان لمضمون قانون تعليق المهل رقم 328/2024 الذي أقرّ عقب وقف العدوان الإسرائيلي السابق على لبنان الذي اندلع في نهاية سنة 2024.

ويهدف الاقتراحان وفق أسبابهما الموجبة إلى صون حقوق كل من الدولة والمواطنين على مختلف الأصعدة والمستويات حفاظاً عليها من الضياع، لعدم إمكانية ممارستها، نظرًا لحالة القوة القاهرة التي تشهدها البلاد بسبب الحرب الإسرائيلية الجديدة التي اندلعت منذ مطلع آذار الحالي.

كما أضافت يعقوبيان إلى مبررات اقتراحها ضرورة تدخّل السلطة التشريعيّة لتعليق المهل أسوة بما حصل في مراحل سابقة من تاريخ البلاد في ظروف مماثلة. 

أحكام مشتركة للاقتراحين

اتفق الاقتراحان في مادتهما الوحيدة على مجموعة من النقاط المشتركة تتعلق بنطاق تعليق المهل والاستثناءات على هذا التعليق يمكن شرحها وفقا للتالي:

  • تعليق سريان جميع المهل القانونية والقضائية والعقدية الممنوحة لأشخاص الحقّين العام والخاص بهدف ممارسة الحقوق على أنواعها، سواء أكانت هذه المهل شكلية أم إجرائية أو امتد أثرها إلى أساس الحق. يشمل هذا التعليق مهل الموادّ الإدارية والمدنية والتجارية، كما يشمل المهل القانونية لانعقاد الهيئات العامة العائدة للنقابات والجمعيات والتعاونيات وسائر الهيئات المنبثقة عنها.
  • تعليق المهل في المواد الجزائية، المقرّرة للمدعي الشخصي أو للمدعى عليه أو للمتهم للطعن بالدفوع الشكلية والأحكام والقرارات النهائية، ويستفيد من هذا التعليق المسؤول بالمال والضامن فيها يختص بالقرارات القابلة للطعن منهما.
  • استمرار النقابات والتعاونيات بهيئاتها العامّة والتنفيذية في أعمالها لغاية انقضاء مهلة التعليق، وتبقى قائمة برئيسها وأعضائها ومجالسها وهيئاتها، وتعتبر قانونية الأعمال التي تقوم بها وفقاً للأحكام المحدّدة في قوانينها وأنظمتها.
  • السماح للفرقاء في الاتفاقيات والعقود أن يتنازلوا عن مفعول التعليق شرط أن يكون التنازل صريحاً وخطياً.

من جهة ثانية تضمّن الاقتراحان خمسة استثناءات لا تستفيد من أحكام تعليق المهل وهي:  

  • المهل القضائية التي يُترك للقاضي أن يقدرها.
  • المهل الممنوحة من الإدارة أو المحدّدة من قبلها تبعاً لسلطتها الاستنسابية، (و"التي يبقى للإدارة ذاتها استنساب تعليقها" مضافة في اقتراح الجميّل).
  • مهل الإسقاط ومرور الزمن والترك وإخلاء السبيل في القضايا الجزائية (على أن تبقى المهل المحدّدة لممارسة الحقوق الشخصية معلّقة فيها).
  • المهل المتعلّقة بشؤون العائلة من نفقة ووصاية ومشاهدة وسواها، ("باستثناء مهل الطعن بالأحكام والقرارات الصادرة في هذه القضايا بحيث يشملها التعليق الملحوظ في هذا القانون" مضافة في اقتراح يعقوبيان).
  • أما الاستثناء الخامس، فيختلف بين الاقتراحين؛ إذ يعمد اقتراح الجميّل إلى استثناء المهل المنصوص عليها في قوانين الإيجارات السارية المفعول، سواء للأماكن السكنيّة أو غير السكنيّة، في حين ينصّ اقتراح يعقوبيان على تعليق جميع المهل المتعلّقة بانعقاد الهيئات العامة للنقابات والتعاونيات التي دُعيت إلى الانعقاد قبل نفاذ هذا القانون. 

أحكام مختلفة بين الاقتراحين

  • مدة تعليق المهل:

عمد اقتراح الجميّل إلى تعليق المهل ابتداءً من 1 آذار 2026 ولغاية زوال القوة القاهرة الحاصلة، فيما حدّد اقتراح يعقوبيان فترة التعليق بين 2 آذار 2026 و30 حزيران 2026 ضمنًا.

  • عودة سريان المهل:

ينص اقتراح الجميّل على عودة المهل إلى السريان فور زوال القوة القاهرة، وذلك بموجب قرار يصدر عن مجلس الوزراء. في المقابل، تعود المهل للسريان في اقتراح يعقوبيان بانقضاء مدّة التعليق (أي اعتبارًا من 1 تموز 2026).

  • نطاق المهل المشمولة بالتعليق:

وسّع اقتراح يعقوبيان نطاق التعليق ليشمل المهل الجمركية. ونشير أن هذه المهل كانت من ضمن المهل المعلّقة بموجب القانون 328/2024. كما أضاف تعليق المهل القانونية المرتبطة بانعقاد الجمعيات العمومية ومجالس إدارة الشركات على أنواعها.

  • مسألة إعادة المحاكمة:

نصّ اقتراح الجميّل على أن "كل حكم مُبرم لم يراع فيه تعليق المهل الملحوظة في هذا القانون يكون قابلاً لإعادة المحاكمة من تاريخ نفاذ هذا القانون". بينما هدف اقتراح يعقوبيان إلى إدخال تعديل دائم في قوانين أصول المحاكمات بحيث أضاف حالة إلى حالات إعادة المحاكمة وفقا للتالي: "إذا صدر بعد الحكم قانون لتعليق المهل القانونية والقضائية والعقدية وكان ذي تأثير على ما قضى به ذلك الحكم، وفي هذه الحالة تبدأ مهلة طلب إعادة المحاكمة اعتبارا من تاريخ عودة المهل إلى السريان وانقضاء مدة التعليق".

جراء ما تقدم، لا بد من إبداء الملاحظات التالية:

إشكالية انتهاء مدة التعليق

يتبيّن أن قانون تعليق المهل (328/2024) الذي أقرّ في 28 تشرين الثاني 2024، صدر بعد توقّف العدوان وهو نص على أن إنتهاء مهلة تعليق المهل بتاريخ 31 آذار 2025 ضمنًا، في حين أن الاقتراحات موضوع التعليق تم تقديمها في ظل استمرار العدوان.

كما أنه من الملاحظ أن اقتراح يعقوبيان حدّد تاريخ لانتهاء مهلة تعليق المهل في 30 حزيران 2026، بينما اكتفى اقتراح الجميّل بالنص على الربط بين تعليق المهل و"زوال القوة القاهرة الحاصلة". 

ولاشك، أن اقتراح يعقوبيان يحترم أكثر مبدأ الاستقرار التشريعي كونه يُحدد مهلة واضحة لعودة سريان المهل، بينما اقتراح الجميّل يترك المهلة مفتوحة كونه منح مجلس الوزراء صلاحية تحديد متى يتم الانتهاء من تعليق المهل وعودتها إلى السريان بقرار منه، ما يعطي هذا الأخير سلطة تقديرية واسعة كون مفهوم "زوال القوة القاهرة" يمكن تفسيره بطرق شتى. 

من جهة ثانية، إذا كان اقتراح يعقوبيان يحدد مدة تعليق المهل بشكل واضح لكن لا شيء يسمح بتوقع متى سينتهي العدوان، ما يؤدي إلى التشكيك في جدوى التحديد المسبق لتاريخ نهاية تعليق المهل الأمر الذي يرجح تعديل هذا التاريخ خلال الجلسة التشريعية.

وجوب توسيع المهل المستثناة من التعليق 

إن الاقتراحين يستعيدان العديد من أحكام قوانين تعليق المهل السابقة من دون تقييم مفاعيلها السلبية، وبخاصة لجهة مدى ملاءمة الاستثناءات الواردة فيها. ويهمنا هنا التنبيه إلى الأمور والمخاطر الآتية والتي سبّق وأشار إليها المرصد البرلماني في مقالات سابقة له وهي:

  • لم يستثنِ اقتراحا القانون المهل القانونية المعطاة لتسوية وضعية غير قانونية أو تعدّ معيّن على الأملاك العامة (الأملاك العامة البحرية أو النهرية، شبكة الإنترنت…)، وذلك درءًا لتحوّل المهلة من مهلة لحفظ الحقوق إلى مهلة لتأبيد الاعتداء. وكان قانون تعليق المهل استخدم سابقا لتطويل أمد المهلة لتسوية المخالفات في إشغال الأملاك العامة البحرية، على نحو عرّض ملكية الدولة والمصلحة العامة لمزيد من الاستباحة دون أي مبرّر، وبشكل مخالف للدستور (المادة 15). وقد آل تمديد المهل آنذاك إلى تطويل الاعتداء تحت غطاء الحفاظ على الحقوق.
  • لم يستثن القانون أيا من المتعاقدين مع الدولة لاستئجار أبنية أو إدارة مرافق عامة، مما قد يؤدي إلى انعكاسات سلبية على الخزينة العامة ومخططات إدارة الأملاك والمرافق العامة. وهنا يجدر التنبيه إلى أن أصحاب الامتيازات (وضمنا كازينو لبنان وشركة طيران الشرق الأوسط) كانوا استفادوا من قوانين تمديد المهل لتمديد التعاقد معهم انطلاقا من قوانين تعليق المهل السابقة.
  • استثنى اقتراح الجميّل فقط المهل الواردة في قوانين الإيجارات من التعليق، مما يعني سريان المهلة القانونية الأخيرة التي يفضي انقضاؤها إلى تحرير الإيجارات، وتعريض الحق بالسكن الميسّر للعديد من المواطنين إلى خطر كبير، لا سيما مع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة والنزوح الهائل للأهالي، وانعدام أي حلول بديلة تقدّمها الدولة التي امتنعت حتى اليوم عن تأمين التمويل الضروري للصندوق الخاص بمساعدة المستأجرين القدامى. كل ذلك مع التذكير أن المجلس الدستوري كان قد أسند اعتباره لقانون الإيجارات دستورياً إلى احترام شرط التوفيق بين حقي السكن والملكية الدستوريين.
  • إن تعليق المهل على الوجه الذي ورد في الاقتراحين يؤدّي عمليّا إلى تعليق مهل تصاريح الموظفين العامين بموجب قانون الإثراء غير المشروع أيضا.
  • أن من شأن تعليق المهل على الوجه الذي ورد في الاقتراحين تفويت الفرصة على الخزينة بتحصيل إيرادات ضريبية. وبذلك، نكون قد أصبحنا أمام تهرّب ضريبي مقونن يستفيد منه من لم يسددوا الضرائب خلال الفترة المنصرمة. كما وسيجعل الدولة عاجزة أكثر فأكثر عن مواجهة المتطلبات المالية ومن أبرزها ضرورة رفع رواتب الموظفين العامين على اختلاف فئاتهم.

مسألة صدور أحكام مبرمة وتعليق المهل

يتبين أن اقتراح الجميل تبنى في بنده الخامس حرفيا المادة الخامسة من القانون رقم 328 الصادر في 4 كانون الأول 2024 والمتعلق أيضا بتعليق المهل حول قابلية إعادة المحاكمة في الأحكام المبرمة التي لم يراع فيها تعليق المهل.  

وهكذا يتبين أن هذا الاقتراح لم يتنبه لقرار المجلس الدستوري رقم 2 الصادر في 16 كانون الثاني 2025 الذي قضى بإبطال هذه المادة تحديدا معتبراً أنّ هذا النص ينطوي على مفعول رجعي يُلزم المحاكم بقبول طلبات إعادة المحاكمة لأحكام صدرت قبل نفاذ القانون، ما يشكّل تدخّلاً في عمل السلطة القضائية ويؤدي إلى خرق مبدأ الفصل بين السلطات.

وأضاف المجلس الدستوري في القرار نفسه، أن مبدأ استقلالية القضاء المكرّس في المادة 20 من الدستور، يمنع على السلطة التشريعية التدخل في أعمال القضاء، سواء عبر توجيه أوامر إليه أو الحلول محلّه في البتّ بالنزاعات، أو فرض إعادة النظر في أحكام مبرمة. لذلك يمكن القول أن اقتراح النائب الجميل يعتبر في شقه هذا مخالفا للدستور وهو معرض للإبطال في حال تم الطعن به أمام المجلس الدستوري.

ومن الملاحظ أن اقتراح يعقوبيان أراد تجنّب المخالفة الدستورية في هذه النقطة من خلال أخذه لاجتهاد المجلس الدستوري بعين الاعتبار وذلك عبر إعادة صياغة المسألة بما يحدّ من احتمال إبطالها، فنصّ على إضافة حالة جديدة من حالات إعادة المحاكمة في قوانين أصول المحاكمات، بحيث تصبح إعادة المحاكمة ممكنة إذا صدر، بعد الحكم، قانون يعلّق المهل القانونية والقضائية والعقدية وكان له تأثير على الحكم الصادر، على أن تبدأ مهلة طلب إعادة المحاكمة من تاريخ عودة المهل إلى السريان وانقضاء مدة التعليق.

وهكذا يتبين أن اقتراح يعقوبيان لا يتسم بطبيعته الاستثنائية في مسألة إعادة المحاكمة لأنه يؤدي إلى إدخال تعديل دائم على أصول المحاكمات وهي من صلاحيات السلطة التشريعية ما يعني أن هذا التعديل لا يتعلق بأحكام بعينها صدرت خلال الظروف الاستثنائية التي قضت تعليق المهل لكن يطاول حالات مستقبلية، علما أن هذا التعديل الذي ينص عليه الاقتراح سيصدر في حال اقراره في ظل ظروف الحرب ما يعني أنه سيؤدي إلى نتائج مشابهة من الناحية الدستوري لاقتراح الجميل.

في الخلاصة، يتبين أن تعليق المهل أصبح ظاهرة متكررة تعكس الظروف الاستثنائية التي بات يمرّ بها لبنان بشكل متزايد في السنوات الأخيرة. وإذا كان تعليق المهل يؤدي إلى تعقيدات قانونية عديدة يتوجب على المحاكم البت بها لكنه أيضا يتسم بطابعه الضروري كون كل نظام قانوني يقوم على فرضية أن تطبيق القانون يحتاج إلى ظروف عادية، لكن ذلك لا يبرر التوسع في تعليق المهل بل يتوجب حصر ذلك في المواضيع التي فعلا يحتاج إليها المجتمع، لا أن يكون وسيلة من أجل تعطيل تطبيق الأحكام القانونية.