مجلس النواب يناقش مشروع موازنة 2026: الارتجال والتفريط بإيرادات الخزينة
26/01/2026
دعا رئيس المجلس النيابي نبيه برّي الهيئة العامّة لمجلس النواب للاجتماع ابتداء من صباح الثلاثاء في 27/1/2026، وذلك من أجل مناقشة وإقرار مشروع موازنة 2026. المشروع الذي أحاله وزير المالية إلى الحكومة في نهاية آب 2025 كان أشبه بموازنة تشغيلية لتصريف الأعمال، من دون أن يحمل معه إجابات على العديد من الأزمات والمشكلات الراهنة. وعلى الرغم من أنّ المشروع هو الموازنة الأولى التي تعدّها حكومة "الإصلاح والإنقاذ"، تبنّت الحكومة بشكل كامل مع تعديلات طفيفة في المضمون المشروع الذي أرسله إليها وزير المالية، بما أوحى بأنّ رؤيتها للمالية العامة ليست سوى استمرارية للنهج المالي السابق من دون وجود نيّة واضحة لأيّ تعديل عليه. وإذ أحيل المشروع إلى لجنة المال والموازنة في 8 تشرين الأوّل 2025، فإنها لم تباشر درسه إلّا في 27 من الشهر نفسه. وقد عقدت من ثم 22 اجتماعًا لمناقشته، انتهاء إلى الصيغة التي سنعلّق عليها في هذا التقرير.
لكن قبل البدء بذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ النواب لم يحصلوا على النسخة النهائية للمشروع كما عدّلته لجنة المال والموازنة وتقرير رئيس اللجنة ابراهيم كنعان إلّا السبت مساءً، ما سيقوّض قدرة غالبيتهم ممّن لم يحضروا جلسات اللجنة على الإحاطة بمضمونها المكون مما يزيد عن ألف صفحة، علمًا أنّ النسخة الموزعة عليهم ما زالت منقوصة من جداول الإيرادات التفصيلية. ومردّ الاستعجال في تعيين مواعيد جلسة الهيئة العامّة يعود إلى التباطؤ الذي حصل في مناقشة المشروع بدايةً في لجنة المال. فإذ أُحيل المشروع ضمن المهلة الدستورية، فإنّ الحكومة بات يحق لها إصدار الموازنة بمرسوم في حال فشل مجلس النواب بإقرارها قبل نهاية كانون الثاني عملا بالمادة 86 من الدستور. علمًا أنّ معلومات حصل عليها المرصد البرلماني تُفيد بأنّ تواصلًا حصل مع رئيس الحكومة لعدم الإقدام على هذه الخطوة في حال تعثّر الإقرار قبل نهاية الشهر.
ارتجال حكومي - نيابي: ما هكذا تناقش الموازنة
على هامش مناقشة الموازنة، يبرز سجال حول عددٍ من المواد التي طلب وزير المالية ووزراء آخرون إضافتها إلى الموازنة، ومدى أحقّيتهم في القيام بذلك. كما ورد في تقرير رئيس لجنة المال أنّ وزير المالية تقدّم باقتراح لإضافة عددٍ كبير من المواد (أكثر من 20 مادة بحسب مصادر المرصد البرلماني)، وأنّ اللجنة قررت عدم تضمينها في المشروع تاركة للهيئة العامة أمر البتّ بها. وكذلك الأمر بالنسبة للوزراء الذين طلبوا إضافة بعض المواد، بحيث ارتأت لجنة المال إحالة الموضوع على الهيئة العامة ليتقدّم الوزراء عند المناقشة باقتراحاتهم أمامها لتقرّر الهيئة العامة ما تراه مناسبا بشأنها.
وينطوي ذلك على إشكالية كبرى أبعد من إشكالية صلاحية الوزير أو الحكومة بإضافة بنود إلى المشروع، بل تتعلّق بآلية اتّخاذ القرار ودراسة الموازنة. فبدل أن تحسم لجنة المال والموازنة النقاش في هذا الصدد، رمت الكرة في ملعب الهيئة العامّة التي سيطرح عليها وزراء عدة وخصوصًا وزير المال عشرات المواد الإضافية من دون أن يكون بإمكان النواب الاطّلاع على مضمونها مسبقًا لدرسها بصورة جدّية واتّخاذ الموقف المناسب منها. وما يزيد من خطورة هذه الخطوة هو ما سُرّب من الاقتراحات التي كان وزير الماليّة اقترحها أمام اللجنة المالية ويفترض أن يعاود طرحها أمام الهيئة العامة. ومن الاقتراحات الهامة في هذا الخصوص، إرساء نظام ضريبيّ جديد تامّ يتعلّق بالمستثمرين اللبنانيين غير المقيمين وبالأجانب، يُعفى بموجبه هؤلاء من عددٍ كبيرٍ من الرسوم والضرائب مقابل استثمار يُحدّد قيمته وشروطه وزير المالية نفسه، على أن يكون هذا الاستثمار على شاكلة إيداع مصرفي بالدولار أو باليورو أو عن طريق شراء عقار أو أيّ استثمار آخر يحدّده الوزير. ومنها أيضا اقتراح وزير الأشغال بإجراء مقاصة بين شركة الميدل إيست وشركات الخدمات التابعة لها ومصرف لبنان.
هذا الارتجال وتبعاته، يعود مردّه إلى أمريْن. الأوّل، يتعلّق بكون مشروع الموازنة قد أقرّ على عجل في الحكومة من دون تعديلات (باستثناء أمور طفيفة) على المسودّة التي أعدّتها وزارة المالية، وذلك للالتزام بالمهل الموضوعة للحكومة لإرسال الموازنة واعتبار ذلك إنجازًا على حساب مناقشة فعلية للوزراء لها. ولم ينعكس ذلك بطلبات الوزراء بإضافة بعض المواد إلى المشروع فقط، بل انعكس أيضًا بما أشار إليه تقرير لجنة المال إلى مطالبة العديد من الوزارات خلال جلسات لجنة المال والموازنة بزيادة الاعتمادات العائدة لها، وكأنّ أيّ نقاش في الحكومة حيال ذلك لم يحصل. والثاني، يتعلّق بما يظهر وكأنّه توجّه نحو تمرير مواد خطيرة في الموازنة من دون إثارة نقاش كبير حولها ممّا قد يؤدّي لاحقًا إلى رفضها.
يتفاقم هذا الارتجال، مع عدم إرسال جدول مفصّل للنوّاب بالإيرادات المقدّرة في ظلّ التعديلات والمواد التي أضيفت في لجنة المال والموازنة. فعلى سبيل المثال، أضيفت في اللجنة مواد تتعلّق بتجديد فرض رسم 3% على المستوردات حتّى العام 2030 بعد انتهاء مدّة فرضه نهاية عام 2025. كما أضيفت تعديلات على رسوم الانتقال والتسجيل بالسجل العقاري والاستحصال على رخص استثمار للمقالع والكسارات، وهي موادّ تنعكس مباشرةً على الإيرادات. إلّا أنّ جدول الإيرادات التفصيلي الذي سيسمح للنواب بالاطّلاع على أثر هذه المواد المالي وبالتالي التصويت معها أو ضدّها لا يزال حتّى كتابة هذه الأسطر غير متوفّر.
وعلى الرغم من أن تقرير لجنة المال والموازنة أشار إلى أن القرار النهائي يعود إلى الهيئة العامة، وهذا أمر صحيح لأن مجلس النواب يحقّ له تعديل مشروع الموازنة، كما يشاء لكن ذلك يظل مقيدًا بالمادة 84 من الدستور التي تمنع خلال المناقشة المجلس من أن يزيد الاعتمادات المقترحة عليه في مشروع الموازنة. وإذا كان من المستغرب أن يطلب وزير المال أو أيّ وزير آخر إدخال تعديلات على مشروع الموازنة من دون وجود موافقة مسبقة لمجلس الوزراء على هذه التعديلات كون ذلك يشكل مخالفة دستورية ويطرح تساؤلات جدّية حول متانة التضامن الوزاري، لكن إحالة لجنة المال والموازنة لهذه التعديلات أو بعضها يعني أن مجلس النواب سيعمد إلى مناقشتها عملا بصلاحياته الدستورية التي تخوله تبني هذه التعديلات أو رفضها. وهكذا يتبين أن هذا الجدل يطرح مجددا إشكالية غياب أصول تعديل مشروع قانون الموازنة العامة أو أي مشروع قانون آخر من النظام الداخلي لمجلس النواب بحيث يتم إدخال تعديلات ارتجالية على نصوص القوانين خلال المناقشة العامة في المجلس من دون دراستها في اللجان أو التنبه لمخاطرها وتداعياتها المستقبلية.
دولة تتخلّى عن إيراداتها: أهكذا تُسدّ الفجوة؟
تتزامن مناقشة الموازنة مع إقرار الحكومة مشروع قانون الفجوة المالية وكثرة الحديث عن دور الدولة وإمكانياتها للمساهمة فيه. كذلك، يترافق مع أسبوع مناقشة الموازنة سلسلة إضرابات من المساعدين القضائيين وموظّفي الإدارة العامّة ودكاترة الجامعة اللبنانية وأساتذة التعليم الرسمي، حيث تُجمع المطالب على وجوب تحسين رواتب هؤلاء والتقديمات الاجتماعية. كما يترافق كلّ ذلك مع سؤال داهم حول مسؤولية وقدرة الدولة على إعادة إعمار ما هدّمه العدوان الإسرائيلي. وعليه، كان يُفترض أن يُبحث في هذه الموازنة عن آليات لزيادة الإيرادات بشكل لا يمسّ بالمواطنين وحقوقهم وقدرتهم الشرائية. بالمقابل، نلحظ أنّ المشروع وتعديلاته في لجنة المال يجنح نحو التخلّي عن إيرادات هامّة للدولة بما يُضعف قدرتها على مواكبة هذه الاستحقاقات.
وهذا ما نلحظه مثلا في إجراء تعديل على المادة 93 من قانون موازنة 2024 في اتجاه حصر تطبيق الضريبة الاستثنائية على الأرباح الناتجة عن عمليّات صيرفة. ففيما كان قانون موازنة 2024 يشترط أن تتجاوز قيمة العمليات الحاصلة على منصة صيرفة 15 ألف د.أ، رفعت لجنة المال في المادة المضافة منها قيمة العمليات الموجبة للضريبة إلى 100 ألف دولار أميركي. ولهذه المادّة نتيجتان، الأولى اعتراف ضمني بعدم تطبيقها من قبل وزارة المالية لجهة تحصيل المبالغ التي فرضتها موازنة العام 2024 على الرغم من مرور سنتيْن على إقرارها، والثانية، تتعلّق بإعفاء فئات كبيرة من الضريبة للفئات التي أجرت عمليات بين 15 و100 ألف، بتراجع كبير عمّا ورد في موازنة 2024، ومن دون أي أسباب موجبة لهذا التعديل.
كما يبرز في هذا الصدد تعديل اقترحه النائب آلان عون لاحتساب الرسوم العقارية على أساس سعر 1500 ليرة للدولار للمعاملات العقارية المسجّلة في السجل اليومي قبل العام 2020، كما واقتراح النائب علي فياض بإعفاء الذين لم يعلموا السجل العقاري بالتغييرات التي طرأت على عقاراتهم من دفع الرسم مضاعفًا.
كما نلحظ أنّ لجنة المال في تعديلاتها وبناء على اقتراح النائب علي حسن خليل، أدخلت إعفاء بنسبة 100% من الرسوم الجمركية للسيارات الكهربائية و80% للسيارات الهجينة، بالإضافة إلى إعفاء من رسوم التسجيل للمرّة الأولى، في استعادة لما ورد في موازنة العام 2024, وكانت المفكّرة القانونية قد انتقدت هذا التوجّه تفصيليّا عندها لكونه يحرم الخزينة من هذه الإيرادات مقابل عدم تأمينه للغرض المطلوب منه ألا وهو تخفيف التلوّث والانبعاثات.
وبناء على اقتراح خليل أيضًا، ورد تعديل يُعدّ صراحة من فرسان الموازنة، قوامه تمديد لمدّة 5 سنوات جديدة لمهل تشييد الأبنية للأجانب المتملّكين لعقارات في لبنان، بينما يُتيح القانون الحالي سقوط الحق وبيعه ومصادرة الأرباح الناتجة عنه من قبل وزارة المالية عند نهاية مهلة الخمس سنوات.
ويأتي هذا التخلّي عن بعض الإيرادات الهامّة، مقابل إهمال تحصيل إيرادات فائقة الأهمّية كنّا قد اقترحناها في تعليقنا على مسودّة المشروع الذي أعدّته وزارة المالية. ومن بين هذه الإيرادات ما يتعلّق بمستحقّات قطاع المقالع والكسّارات للخزينة من رسوم وضرائب وكلفة تدهور البيئة وإعادة التأهيل وهي مستحقّات ضخمة تفوق الملياريْ دولار، بالإضافة إلى تطبيق القانون 55/20116 لتبادل المعلومات الضريبية بما يُتيح الاستحصال على مداخيل ضريبية من مقيمين في لبنان ولديهم مداخيل من الخارج، وإلغاء الإعفاء من ضريبة الأملاك المبنية للوحدات الشاغرة، كما وتطبيق الضريبة التصاعدية بشكل فعلي على كل مكلّف في ما يتعلّق بضريبة الأملاك المبنية لا احتسابها على أساس العقار كما هو حاصل حاليًا.
مخالفات لمبدأ المساواة
لم تختلف هذه الموازنة عن سابقاتها لجهة محاباة فئات معيّنة على حساب أخرى. ويظهر ذلك بشكل خاص في تعديلات ضريبية أضيفت في لجنة المال والموازنة تتعلّق بالرسوم العقارية أو رسوم الانتقال. فقد وردت مواد تتّجه نحو الإعفاء من بدلات الانتقال للوقوعات الحاصلة قبل تواريخ معيّنة (ما قبل 2007 مثلًا)، إضافةً إلى توسيع الشطور بما يخفّض الضريبة في هذا الصدد. أمّا في ما يتعلّق بالرسوم العقارية، فقد اقترح النائب الان عون احتساب الرسوم العقارية على أساس سعر 1500 ليرة للدولار للمعاملات العقارية المسجّلة في السجل اليومي قبل العام 2020. وتضرب هذه التعديلات مبدأ المساواة المنصوص عنه دستورًا، إذ تفرّق بين مكلّفين بذات الوضعية لدفع رسوم مختلفة، من دون تبرير واضح لذلك.
إلّا أنّ المخالفة الأبرز في هذا الصدد والتي تدل على تفريط واضح بحقوق الدولة أيضًا، تكمن في المادّة المتعلّقة بتكليف إدارة الجمارك استيفاء نسبة 1.5% (خُفّضت من 3% في مشروع الحكومة) من قيمة البضائع المستوردة من المكلّفين وتوريدها إلى الخزينة بنفس الطريقة وذلك كأمانة على حساب الضريبة المتوجبة على المكلّف، في حال لم يُقم بالتصريح عن نتائج أعماله أو عن الضريبة على القيمة المضافة خلال 3 سنوات خلت. إلّا أنّ الإشكالية في هذه المادّة تكمن في مرحلة ما بعد تصريح المكلّف وحسم الضريبة العائدة له من المبلغ المسدّد كأمانة، حيث أضافت لجنة المال فقرة تُفيد بأنّه في حالة تبيّن وجود فائض لمصلحة المكلّف بعد إجراء الحسم، يُمكنه استرداد مبلغ الفائض خلال فترة 30 يومًا تحت طائلة ترتيب فائدة لمصلحته بنفس قيمة الفائدة على سندات الخزينة. إنّ خطورة هذه المادة تُستخلص أولًا من ضعف الإدارة الضريبية وبطء الإجراءات لديها، وهو ما سيؤدّي بشكل شبه حتمي إلى تخطّي مهلة الثلاثين يومًا وترتيب هذه الفوائد لمصلحة المخالف، عدا عن التعقيدات والإجراءات الإدارية وضرورة توفّر الأموال والاعتمادات اللازمة للدفع. وعليه، تتحوّل هذه المادّة من إجراء عقابي على من تخلّف عن التصريح الضريبي واحترازي لضمان حقوق الخزينة، إلى مادّة تُكافئ المتخلّف عن طريق تحصيل أموال الفوائد. وعليه، تكون احتمالية المكافأة للمتخلّف عن موجباته الضريبة ضربًا لمبدأ المساواة مع المكلّفين في موقع قانوني مماثل الذين أدّوا واجباتهم الضريبية كاملةً.
تفريق بين الهبات العينية والنقدية: تراجع عن إصلاح سابق
يبرز في المشروع تعديل للمادة 52 من قانون المحاسبة العمومية المتعلّقة بآلية قبول الهبات. وإذ يرتبط التعديل بشكل رئيسي بتكييف الأرقام بعد تدهور سعر الصرف لجهة التفريق بين الهبات الواجب عرضها على مجلس الوزراء وتلك التي تُقبل بمرسوم من دون عرضها عليه، يتبيّن أنّ المشروع قد فرّق بين الهبات العينية والهبات النقدية، خلافًا للتوضيح التفسيري الذي اعتمده قانون موازنة 2019 وقوامه أن المادة 52 تنطبق على الهبات العينية كما الهبات النقدية. بمعنى أنّ المشروع الراهن جاء ليفرّق بين هذه الهبات، لا بل ليجعل للهبات العينية طريقًا مختلفًا تمامًا بحيث تُقبل مهما بلغت قيمتها بقرار مشترك من وزير المال والوزير المختص فقط، أي من دون حاجة لا إلى مرسوم ولا إلى قرار من مجلس الوزراء. وما يزيد من قابلية هذا التعديل للانتقاد هو أنّ المادّة نفسها تحدّثت عن وجوب قيد الهبات النقدية حصرًا كإيرادات في الموازنة، إضافةً إلى أنّ الجدول الفصلي الذي يُفترض أن تعدّه وزارة المالية وترفعه إلى مجلس الوزراء لا يشتمل أيضًا على الهبات العينية بل ينحصر بتلك النقدية.
ويفتح ذلك الباب أمام تقليص الرقابة على الهبات على الرغم من وجوب زيادتها بعدما وضع ديوان المحاسبة تقريره 2/2023 حول واقع الهبات وخلُص إلى ما يُشبه انعدام الرقابة عليها وموصيًا بتطبيق أحكام المادة 52 بحذافيرها، لا بتجاوزها أو تعديلها. وبهذه الثغرة في القانون، يكون تكييف الهبات على أنّها هبات عينيّة طريقًا مفتوحًا لإبقائها بعيدًا عن أعين الرقابة العامة خصوصًا مع عدم وجود نصّ يلزم بنشر القرار المشترك عن الوزير المختص ووزير المال.
قطع الحساب الغائب الدائم
تكمن المخالفة الأبرز في عدم إرسال قطع الحساب عن عام 2024. وبخلاف ما حصل عند إقرار قوانين الموازنة لسنوات 2017-2018-2019-2020 و2024 حيث تم التأكيد على ضرورة إنجاز قوانين قطع حساب واستثنائية تجاوز هذه القاعدة أو على الأقل ضرورة تعزيز موارد ديوان المحاسبة لضمان احترامها، بدا المشروع وكأنه يطبّع تماما مع هذه المخالفة إلى درجة تجاهلها وتجاهل ضرورة معالجتها بالكامل، في استمرارية لما حصل في قانون موازنة 2025 المقرّ بمرسوم. وعليه، تبقى صدقيّة الأرقام الواردة في المقترح وكل السياسات والإجراءات الواردة فيه موضع شكّ ومبنيّة على تقديرات غير ثابتة لنتائج تنفيذ الموازنات السابقة. إذ أنّ أولوية إقرار قطع الحساب على الموازنة تجد ما يبررها ليس فقط في المادة 87 من الدستور بل أيضا بأهمية المعطيات التي يجدر أن يتضمّنها قطع الحساب والتي تسمح للمجلس النيابي التحقّق من كيفية تنفيذ الموازنة السابقة فعليا وتاليّا من مدى صدقية البيانات أو التوقعات الواردة في مقترح الموازنة، وكلها معطيات يحتاج إليها مجلس النواب لممارسة دوره الرقابي على تنفيذ قوانين الموازنة السابقة كما دوره التشريعي في إقرار قانون موازنة جديدة.
وما يزيد من قابلية هذه الممارسة للانتقاد، هي أنّ وزارة المالية لم تُرسل قطع الحساب عن عام 2024 إلى ديوان المحاسبة، علمًا أنّ الديوان ماضٍ في دراسة قطوعات الحساب وإرسالها إلى مجلس الوزراء الذي أقرّ في جلسته في 8/1/2026 قطع حساب عام 2021 وأحاله إلى المجلس النيابي.
أمّا اللافت في هذا الصدد، فهو ما ورد في تقرير رئيس لجنة المال والموازنة ابراهيم كنعان الذي أفرد صفحتيْن للتذكير بما قام به في موازنات سابقة حيال ذلك، من دون أن يتّخذ أيّ إجراء في هذا الصدد في ما يتعلق بالموازنة الحالية، سوى التشديد على وجود المخالفة البديهية للدستور، بالإضافة إلى استعادة موقفه السابق عن اعتبار "دولة بلا حسابات هي دولة بلا شرف". وما يُثير الانتباه ضمن هذا الإطار هو إشارة كنعان إلى أنّ المجلس النيابي قد صادق مع التحفّظ على الحسابات المالية من 1993 حتّى 2003، وهو أمر من غير الواضح متى حصل وكيف حصل من دون اجتماع للهيئة العامّة وهو يحتاج إلى تدقيق لاحق في صحّته.
مواد مشروع قانون الموازنة العامة للعام 2026 كما عدلتها لجنة المال والموازنة